اختارت إدارة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة المبدع يونس ميكري، المتعدد العطاءات، لتكريمه خلال فعاليات الدورة 26 لهذا المهرجان العتيق، المزمع تنظيمها في الفترة المتراوحة بين 30 ماي و6 يونيو 2026.
ومعلوم أن هذا الفنان الكبير، المزداد بمدينة وجدة يوم 15 نونبر 1951، قد راكم على امتداد عقود ليست بالقليلة تجربة فنية معتبرة على مستويات الغناء والتلحين والتوزيع الموسيقي وتشخيص الأدوار المختلفة في السينما والتلفزيون ووضع الموسيقى التصويرية لمجموعة من الأفلام والمسرحيات المغربية والأجنبية وغير ذلك.
ظهر ميل يونس المزدوج إلى الموسيقى والسينما منذ مرحلة الطفولة، وانفتح منذ سبعينيات القرن الماضي على عوالم التصوير أمام كاميرات التلفزيون في أغاني مصورة (ما يسمى حاليا بالفيديو كليب) وفي فيلمين تلفزيونيين (في الثمانينيات)، وشخص أدوارا متفاوتة القيمة والمساحة الزمنية في أفلام ومسلسلات تلفزيونية مغربية وأجنبية ابتداء من التسعينيات (فيلم “مريم الناصرية” للفرنسي جان دولانوا سنة 1994 نموذجا).
فمن من عشاق الفن الجميل لا يتذكر أغانيه الفردية والجماعية، رفقة إخوانه حسن (رحمه الله) ومحمود وجليلة، المشهورة عالميا وعلى رأسها رائعته “ليلي طويل” الحاصلة سنة 1972 على جائزة “الأسطوانة الذهبية”؟ ومن من متتبعي أعماله لا يتذكر تشخيصه الهادئ لأدوار متنوعة في أفلام سينمائية روائية طويلة كثيرة من قبيل: “نوار عشية” (2025) للمخرجة التونسية خديجة لمكشر و”دموع إبليس” (2015) لهشام الجباري و”الشعيبية” (2014) ليوسف بريطل و”جوق العميين” (2014) لمحمد مفتكر و”عيد الميلاد” (2013) للطيف لحلو و”الصوت الخفي” (2013) و”السمفونية المغربية” (2005) لكمال كمال و”كان يا ما كان” (2013) لسعيد السي الناصري و”عودة الإبن” (2011) و”ملائكة الشيطان” (2007) و”علي، ربيعة والآخرون” (2000) لأحمد بولان و”حجاب الحب” (2008) لعزيز السالمي و”ياسمين والرجال” (2007) و”وجها لوجه” (2003) لعبد القادر لقطع و”أركانة” (2007) لحسن غنجة و”لعبة الحب” (2006) لإدريس اشويكة و”جارات أبي موسى” (2003) لمحمد عبد الرحمان التازي و”قصة حب” (2002) لحكيم نوري و”الدار البيضاء يا الدار البيضاء” (2002) لفريدة بن اليازيد… وغيرها؟
ومن من عشاقه لم يتمتع بمقاطع من الموسيقى التصويرية الجميلة والمعبرة التي وضعها لأفلام سينمائية معروفة مثل “خريف التفاح” (2020) و”جوق العميين” (2014) لمحمد مفتكر و”نساء الجناح ج” (2019) و”الأندلس مونامور” (2012) لمحمد نظيف و”دموع إبليس” (2016) لهشام الجباري و”الشعيبية” (2015) ليوسف بريطل و”كان يا ما كان” (2014) لسعيد س, الناصري و”العربي” (2010) لإدريس المريني و”ألو 15″ (2009) لمحمد اليونسي و”طريق لعيالات” (2007) لفريدة بورقية و”أركانة” (2007) لحسن غنجة و”الإسلام يا سلام” (2007) لسعد الشرايبي و”درب مولاي الشريف” (2004) و”أصدقاء الأمس” (1998) لحسن بنجلون و”الأجنحة المنكسرة” (2004) لمجيد الرشيش و”قصة حب” (2002) لحكيم نوري و”عود الريح” (2001) لداوود أولاد السيد و”علي، ربيعة والآخرون” (2000) لأحمد بولان و”قصة وردة” (2000) لمجيد الرشيش و”مبروك” (1999) لإدريس اشويكة و”الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن” (1980) للراحل نبيل لحلو (1945- 2026) وغيرها؟
لقد جمع المبدع الوسيم يونس ميكري منذ صغره بين عشقين أساسيين أحدهما للموسيقى والثاني للسينما. وهذا ليس غريبا على فنان مرهف الإحساس، تربى في وسط عائلي منفتح على فنون الرسم والغناء والموسيقى والسينما وغيرها. ألم يكن جده فنانا ووالده رساما وعازفا ماهرا على العود؟ ألم تكن أمه، المتأثرة بالأنغام والإيقاعات الصوفية، توظف صوتها الجميل في المديح بزاوية مولاي عبد القادر الجيلالي بوجدة وتصحب أطفالها الصغار (يونس وأختيه بشكل خاص) إلى قاعات السينما لمشاهدة الأفلام الغنائية والإستعراضية المصرية والهندية وغيرها؟ ألم يضع أخواه اللبناة الأولى لمجموعة “الإخوان ميكري” الغنائية منذ أواخر الخمسينيات، لتتشكل شيئا فشيئا كإضافة نوعية في حقلنا الغنائي والموسيقي المعاصر مع مطلع الستينيات وانضمام جليلة إليها سنة 1966 ثم يونس في مطلع السبعينات؟
المعروف أن يونس ميكري لم يكتف بموهبته الربانية واحتكاكه الفني، على مستوى التوزيع الموسيقي، بأخويه الكبيرين والمبدعين حسن ومحمود، بل كون منذ سن الرابعة عشر فرقة لموسيقى “البوب”، الشيء الذي مكنه من التعرف على أغاني “البينك فلويد” و”البيتلز” وسانتانا وغيرهم. كما التحق بمدرسة للطرب الغرناطي بدار الشباب السبتي بوجدة ليتعلم العزف ويتعرف عن قرب على جانب مهم من تراثنا الموسيقي الكلاسيكي الغني. ولعل هذا الإنفتاح الموسيقي المزدوج على الغرب والشرق هو الذي خلق لديه توازنا موسيقيا وأغنى تجربته الإبداعية المتميزة بالجدة والأصالة لاحقا.
لم يقف طموح الشاب الموهوب يونس ميكري عند هذا الحد بل تجاوزه إلى تكوين مجموعة أخرى لموسيقى البوب أواخر الستينيات بالرباط، وذلك لمزيد من التعرف على الموسيقى الغربية. ولصقل موهبته أكثر وتثبيت معارفه الموسيقية علميا، سافر إلى باريس سنة 1976 حيث درس البيانو وأكمل تعليمه في الصولفيج. وبعد عودته إلى المغرب سنة 1981 تابع دروسا في الهارموني بالكونسيرفاتوار الوطني لمدة أربع سنوات.
لقد كان يونس ميكري ولا يزال مؤمنا بضرورة التكوين الأكاديمي حتى يتمكن من معرفة دقيقة وشاملة بالموسيقى عموما وبالتوزيع الموسيقي على وجه الخصوص وما يرتبط به من تقنيات وآاليات. وفي مطلع التسعينيات أسس استوديوها للتسجيل الموسيقي بقلب العاصمة الرباط مجهز بأحدث التجهيزات التقنية.
إن المكانة الفنية الرفيعة التي أصبح يونس ميكري يتبوؤها في ساحتنا الفنية لم تكن أبدا وليدة صدفة أو حظ، بل هي نتيجة عمل دؤوب وكفاح مستمر، على مستوى التكوين النظري والممارسة الميدانية، وثمرة رغبة دائمة في التطور والإنفتاح على عوالم إبداعية جديدة.
تجدر الإشارة إلى أن هناك أعمال سينمائية وتلفزيونية أخرى شارك فيها يونس ميكري، كممثل أو مؤلف موسيقي أو هما معا، نذكر منها الفيلمان السينمائيان القصيران “ماء ودم” (2014) لعبد الإله الجوهري و”دم الحبر” (2004) لليلى التريكي، والأفلام التلفزيونية: “لاعب الشطرنج” (2023) و”الفراشة السوداء” (2002) و”الحوت الأعمى” (2001) لحسن غنجة و”الطيور تعود دوما” (2007) لنرجس النجار و”أنا وأمي وبثينة” (2003) لأحمد بولان، ومسلسلات وسيتكومات: “سلمات أبو البنات- ج2″ (2021) لهشام الجباري و”سولو دموعي” (2021) لإبراهيم الشكيري و”الزعيمة” (2019) لعلاء أكعبون و”حياة جديدة” (2015) لعلي الطاهري و”أحلام نسيم” (2012) لعلي الطاهري وحميد زيان…
كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن صاحب أغنية “ليلي طويل” سبق تكريمه مرات عديدة في مجموعة من المهرجانات السينمائية كان آخرها سنة 2025 بمهرجان الأيام السينمائية لدكالة بالجديدة (الدورة 14) ومهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي (الدورة 6).
فتحية امتنان وعرفان لهذا الفنان الكبير، المبتسم دوما، رغم عدم رضاه الكامل على واقع الثقافة والفنون ببلادنا، والذي لا يزيده تألقه السينمائي والموسيقي إلا تواضعا وإنتاجية.
أحمد سيجلماسي
