غادرنا يوم الخميس 23 أكتوبر 2025 إلى دار البقاء الممثل القدير محمد رزين (1946- 2025) عن عمر ناهز 79 سنة، وذلك بعد آخر مشاركة له في فيلمين سينمائيين روائيين طويلين هما “يوم طويل” (2025) لحكيم القبابي و”أفريكا بلانكا” (2025) لعز العرب العلوي وبطولته المطلقة للفيلم التلفزيوني “جراح الماضي” (2025) من إخراج عز العرب العلوي عن سيناريو لعبد الإله الحمدوشي.
وبهذه المناسبة الأليمة أتقدم بأحر التعازي لأسرته الصغيرة ولأصدقائه وزملائه ومحبيه وأدعو له بالرحمة والمغفرة.
ومعلوم أن الراحل قد حظي قيد حياته بمجموعة من التكريمات تليق بمكانته كفنان تجاوزت تجربته في المسرح والسينما والتلفزيون ستة عقود من الزمان، ولعل أهمها تكريمه في الحفل الختامي للمهرجان الوطني الواحد والعشرين للفيلم ليلة السبت 7 مارس 2020 بقاعة سينما روكسي بطنجة.
وقد شرفتني آنذاك إدارة المهرجان المذكور بإلقاء شهادة في حقه وتسليمه درع التكريم أمام عدسات المصورين وجمهور الفنانين والنقاد والصحافيين والسينفيليين وغيرهم من ضيوف المهرجان الذين غصت بهم هذه القاعة الجميلة.
لم أتمكن في كلمتي المرتجلة لحظة التكريم من اختزال تجربة الصديق محمد رزين الفنية الطويلة في دقائق محدودات، بل اكتفيت بالإشارة من خلال التذكير بأهم الأفلام السينمائية، التي شارك فيها كممثل، إلى أن المخرجين الذين اشتغل تحت إدارتهم كانوا في غالبيتهم من المثقفين متعددي الاهتمامات بدءا من نبيل لحلو وأحمد البوعناني في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، مرورا بفريدة بن اليازيد وسعد الشرايبي وحميد بناني، ووصولا إلى عبد الإله الجوهري وعز العرب العلوي لمحارزي في الآونة الأخيرة. فهؤلاء المخرجين المثقفين وغيرهم كانت لهم ثقة كبيرة في قدراته التشخيصية ولم يختاروه عبثا للمشاركة في أفلامهم، كما أنه كان في مستوى الثقة التي وضعوها فيه من خلال صدقه في الأداء وحضوره المقنع أمام الكاميرا.
كما أشرت في كلمتي المركزة إلى أن المكانة المحترمة التي وصلها الراحل محمد رزين في فن التشخيص يرجع الفضل فيها إلى عشقه للمسرح، الذي مارسه كهواية في البداية قبل أن يقرر سنة 1969 التفرغ له عبر الدراسة بالمعهد الوطني للموسيقى والرقص والفن المسرحي بالرباط،، تحت إدارة الفنان الموسيقي الراحل عبد الوهاب أكومي، وعبر المشاركة كممثل محترف في العديد من المسرحيات مع فرقتي “القناع الصغير” و”المسرح الوطني محمد الخامس” وغيرهما.
مما لا شك فيه أن المبدع محمد رزين، المزداد بالرباط سنة 1946، إسم على مسمى، لأنه ببساطة رزين في أدائه لأدواره المختلفة، ومن هنا أطلقت عليه لقب “رزين السينما المغربية” في ورقة نشرتها سابقا بمناسبة تكريم له بإحدى دورات الملتقى الوطني لسينما القرية بزرهون، ورزين في علاقاته مع الآخرين، ورزين حتى في “قفشاته” ومستملحاته.
إنه من الممثلين المغاربة الكبار الذين لم تتح لهم فرص كثيرة، في السينما والدراما التلفزيونية الوطنية، لإظهار إمكانياتهم الهائلة في تشخيص مختلف الأدوار البسيطة والمركبة. فرغم ظهوره المبكر على شاشة التلفزيون المغربي، بعد سنوات قليلة من انطلاقة هذا الأخير في مطلع الستينات من القرن الماضي، في أعمال كانت تبث آنذاك بشكل مباشر، ورغم وقوفه أمام كاميرا السينما لأول مرة في فيلمي “القنفودي” ( 1978 ) لنبيل لحلو و “السراب” ( 1979 ) لأحمد البوعناني، ورغم الرصيد المحترم من الأعمال المسرحية التي شارك فيها منذ مرحلة الهواية (من 1962 إلى 1968) مرورا بمرحلة التكوين بالمعهد المشار إليه أعلاه، ثم التدريس به والإنخراط في أنشطة فرقة “القناع الصغير” و فرقة المسرح الوطني محمد الخامس وغيرهما من الفرق المسرحية الأخرى، وصولا إلى الانفتاح على تجارب المخرجين المسرحيين الشباب أمثال فوزي بن السعيدي في مسرحية “الفيل” وغيره، لم يتم استغلال وتوظيف قدرات هذا الممثل الكبير الهائلة في التشخيص بالشكل والحجم المطلوبين في السينما والتلفزيون والمسرح.
تجدر الإشارة إلى أن الممثل المتميز الراحل محمد رزين شارك في أكثر من ثلاثين عملا سينمائيا وتلفزيونيا أجنبيا صورت بالمغرب، نذكر منها على سبيل المثال أفلام “ألف ليلة وليلة” (1990) للمخرج الفرنسي الراحل فيليب دوبروكا و”مولود في مكان ما” (2013) للفرنسي من أصول جزائرية محمد حميدي و”صورة مجسمة للملك” (2014) من بطولة الأمريكي طوم هانكس وإخراج الألماني توم تيكفر وسلسلة “الإنجيل” كلها تقريبا …
أما تجربته مع السينما المغربية فعمرها تجاوز أربعين سنة انطلقت مع أول فيلم روائي طويل لنبيل لحلو وتوقفت مع أول فيلم روائي طويل لحكيم القبابي “يوم طويل” (2025). أهم مكونات فيلموغرافيا محمد رزين السينمائية في شقها المغربي نستعرضها كرونولوجيا كما يلي:
“القنفودي” ( 1978 ) لنبيل لحلو، “السراب” (1979 ) لأحمد البوعناني، “ليلة القتل” ( 1992 ) لنبيل لحلو، “كنوز الأطلس” ( 1997 ) لمحمد أومولود عبازي، “مكتوب” ( 1997 ) لنبيل عيوش، “كيد النساء” ( 1999 ) لفريدة بن اليازيد، “عطش” ( 2000 ) لسعد الشرايبي، “الدار البيضاء يا الدار البيضاء” (2002) لفريدة بنليزيد، “خربوشة” ( 2008 ) لحميد الزوغي، “الخبز المر” ( 2008 ) لحسن دحاني، “الطفل الشيخ” (2012) لحميد بناني، “أكادير إكسبريس” (2015) ليوسف فاضل، “ولولة الروح” (2018) لعبد الإله الجوهري، “كيليكيس.. دوار البوم”(2018) و”أفريكا بلانكا” (2025) لعز العرب العلوي و”يوم طويل” (2025) لحكيم القبابي…
هذا بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال التلفزيونية كأفلام “آخر طلقة” (1995) للراحل عبد الرحمان مولين و”الواد” (1995) لحميد بناني و”الطيابة” (2004) لمصطفى فاكر و”الكماط” (2014) لزكية الطاهري و”جراح الماضي” (2025) لعز العرب العلوي… ومسلسلات “الثمن” (1993) لشكيب بنعمر وعبد اللطيف الدشراوي و”جنان الكرمة” و”المجدوب” لفريدة بورقية و”خلخال الباتول” لجمال بلمجدوب و”المصابون” (1999) لمحمد عاطفي و”صالون شهرزاد” (2012) من إخراج المصري أمير رمسيس و”دار الضمانة” (2015) لمحمد علي المجبود و”مقطوع من شجرة” (2015) لعبد الحي العراقي وغيرها …
رحم الله الصديق محمد رزين وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أحمد سيجلماسي




