أخبار بيوفيلموغرافيات

وداعا مصطفى الدرقاوي.. المبدع السينمائي الكبير.‏

توفي المخرج السينمائي مصطفي الدرقاوي ليلة الخميس 20 غشت 2026 حوالي الساعة 23، عن عمر ناهز 85 سنة، بعد معاناة طويلة مع المرض، وووري جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء يوم الجمعة 21 غشت بعد صلاة الظهر.

ورغم توقفه عن الإخراج منذ عقدين تقريبا، بسبب ظروفه الصحية القاهرة، وتمكنه سنة 2023 بمساعدة آخرين من إنجار فيلمه الروائي الطويل الأخير “حميدة الجايح”، ظل السينمائي مصطفى الدرقاوي، منذ تسعينيات القرن الماضي وإلى حدود سنة 2020، على رأس قائمة المخرجين السينمائيين المغاربة، الذين أنجزوا أكبر عدد من الأفلام الروائية الطويلة، علما بأن المخرج حسن بنجلون قد تجاوزه حاليا وأصبح يحتل الرتبة الأولى كميا منذ سنة 2021 بمعدل 13 فيلما مقابل 11 فقط للدرقاوي.

إن التجربة الثرية لهذا المخرج المتميز، من أول محاولاته إلى آخرها سنة 2023، جديرة بالدراسة والتأمل، فمن عناوينها ومحطاتها المختلفة نقف على مشروع فني اشتغل عليه الدرقاوي منذ سنة 1964 وظل يشتغل عليه إلى أن وافاه الأجل المحتوم.

يذكر أن مصطفى الدرقاوي، الذي استقر منذ عقود بالدار البيضاء وصور بفضاءاتها جل أعماله، من مواليد وجدة سنة 1941، تابع بالموازاة مع دراسته الثانوية تكوينا مسرحيا بمعهد الفن الدرامي بالبيضاء منذ أواخر الخمسينيات، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا الأدبية (تخصص فلسفة) سنة 1962 التحق أولا بمعهد الدراسات السينمائية العليا بباريس (IDHEC)  وقضى به ثمانية أشهر فقط استفاد خلالها من تكوين في إدارة التصوير في الموسم الجامعي 1962- 1963. بعد ذلك أنجز أول أفلامه القصيرة بعنوان “الجدران الأربعة” (1964) ثم سافر سنة 1965 رفقة شقيقه عبد الكريم إلى الديار البولونية لاستكمال دراسته الجامعية بالمعهد الوطني العالي للسينما والمسرح بلودز (Lodz) الذي تخرج منه بدبلوم في الإخراج سنة 1972.

بعد العودة إلى أرض الوطن أسس رفقة شقيقه عبد الكريم وصديقهما العربي بلعكاف شركة “بسمة للإنتاج” وباشر من خلالها إخراج وإنتاج باكورة أفلامه الروائية الطويلة “أحداث بلا دلالة” سنة 1974، إلا أن الرقابة منعت آنذاك عرض هذا الفيلم بالداخل والخارج. فباستثناء عرض عمومي واحد له بمهرجان باريس برئاسة هنري شابيي (Henry Chapier) سنة 1974 وعروض سرية بملتقى السينما الإفريقية بخريبكة في دورته الأولى سنة 1977، لفائدة فريق مجلتي “دفاتر السينما” و”سينما أكسيون” الفرنسيتين المعروفتين، وبالدورة الأولى لمهرجان السينما المتوسطية بتطوان سنة 1985، لم يرفع المنع عن هذا الفيلم إلا سنة 2001. ورغم ذلك ظل إبعاده من العرض في القاعات السينمائية وعلى شاشات التلفزيون المغربي ساريا ما عدا بعض العروض هنا وهناك أو بمناسبات تكريم صاحب الفيلم في تظاهرات سينمائية وثقافية مختلفة. ويرجع الفضل لسينماتيك إسبانية ببرشلونة (فيلموتيكا دي كاتالونيا) بشراكة مع مرصد الفن والأبحاث بالدار البيضاء في ترميم هذا الفيلم (من مقاس 16 ملم)، تحت إشراف مخرجه مصطفى الدرقاوي ومدير تصويره عبد الكريم الدرقاوي وبتنسيق عام من ليا موران، منشطة ورشة السينما بكلية الآداب عين الشق، لحفظه أولا، ولتمكين السينفيليين من مشاهدته أو إعادة مشاهدته ثانيا في فوروم الدورة 69 لمهرجان برلين السينمائي الدولي وفي افتتاح الدورة 20 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2019 ومناسبات فنية وثقافية أخرى.

التحق مصطفى الدرقاوي كموظف بالمركز السينمائي المغربي سنة 1973 وسرعان ما استقال منه سنة 1975 مفضلا الإشتغال بشكل حر بعيدا عن إكراهات الإدارة وروتينها. وبعد تجربة شركة “بسمة للإنتاج” أو “بسمة فيلم” في السبعينات، التي ساهمت إلى جانب شركة “ركاب فيلم” والمركز السينمائي المغربي في إنتاج فيلم “رماد الزريبة” (1976)  الجماعي، أسس سنة 1980 شركته الخاصة “فن 7″، التي أنتج من خلالها باقي أفلامه السينمائية في الثمانينات والتسعينات.

يمكن تقسيم فيلموغرافيا الدرقاوي إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة “سينما المؤلف”، التي حاول من خلال عناوينها في السبعينات (“أحداث بلا دلالة”) والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين التعبير عن همومه كفنان ومثقف ومبدع سينمائي وترجمة مواقفه واختياراته الجمالية في أفلام ذات طبيعة تجريدية وتجريبية نخبوية عصية في غالب الأحيان على فهم المتلقي العادي، ومرحلة “سينما الجمهور العريض” بعناوينها المعروفة والناجحة تجاريا: “غراميات الحاج المختار الصولدي” (2001)، “الدار البيضاء باي نايت” (2003)، “الدار البيضاء داي لايت” (2004)، وهي كلها من إنتاج شركته الجديدة “أفلام مصطفى الدرقاوي”.

وبانتقاله المفاجئ، تحت ضغط بعض الكتابات والمواقف النقدية المتحاملة أحيانا، من سينما النخبة إلى سينما الجماهير العريضة برهن المبدع مصطفى الدرقاوي أنه قادر في آن واحد على مخاطبة النخبة السينفيلية والجمهور العام العادي، لكن دون تنازل عن قناعاته الفكرية واختياراته الجمالية والفنية.

المعروف عن مخرج “عنوان مؤقت” أنه درس واشتغل دوما رفقة أخيه عبد الكريم محمد الدرقاوي، مدير التصوير المحنك سابقا والمخرج السينمائي والتلفزيوني حاليا، ومن أفلامه القصيرة نذكر بشكل خاص “الصمت” (1991)، الذي يشكل إلى جانب أربعة أفلام أخرى من توقيع الفلسطيني إليا سليمان واللبناني برهان علوية (1941- 2021) والتونسيين نوري بوزيد ونجية بنمبروك، مادة فيلم طويل بعنوان “حرب الخليج، وبعد”، هذا بالإضافة إلى أعمال تلفزيونية محدودة من بينها: فيلم “إثنان ناقص واحد” (1979) ومسلسل “احتضار وردة” (1980) وسلسلة “صور عائلية” وغيرها. ويعتبر إبنه كمال الدرقاوي، المستقر حاليا بكندا والمتخرج من المعهد الوطني للسينما بموسكو، من أجود مدراء التصوير المغاربة، تشهد على ذلك الأفلام المغربية والكندية العديدة وغيرها التي صورها لحد الآن، من بينها مؤخرا “وارث الأسرار” (2025)، وهو الفيلم الروائي الطويل الثالث للممثل والمخرج المغربي المقيم بكندا محمد نظيف.

تجدر الإشارة إلى أن مصطفى الدرقاوي هو مؤلف سيناريوهات كل أفلامه، باستثناء “رماد الزريبة” (1976)، الذي كتبه الراحل محمد ركاب (1942- 1990)، وهو فيلم جماعي ساهم في إنجازه مصطفى الدرقاوي إلى جانب محمد ركاب وعبد الكريم الدرقاوي ونور الدين كونجار وعبد القادر لقطع وسعد الشرايبي. كما تجدر الإشارة أيضا إلى أنه ساهم في إعادة كتابة سيناريو فيلم “الناعورة” (1984) للراحل مولاي إدريس الكتاني (1947- 1994)، الذي كان يحمل في الأصل عنوان “مولاي يعقوب”، وذلك بطلب من شقيقه عبد الكريم، مدير تصوير الفيلم الذي كلفه قويدر بناني، مدير المركز السينمائي المغربي آنذاك،  بإتمام الفيلم تصويرا وإخراجا وإنتاجا، لتجاوز المشاكل التي كان يتخبط فيها مخرجه الكتاني، وهكذا أصبح هذا الفيلم يحمل توقيع المخرجين مولاي إدريس الكتاني وعبد الكريم الدرقاوي في فيلموغرافيا المركز السينمائي المغربي.

بالإضافة إلى ممارسته لكتابة سيناريوهات أفلامه وحواراتها والمساهمة عبر شركاته الثلاث المذكورة أعلاه في إنتاجها أو تنفيذ إنتاجها، مارس الدرقاوي أيضا المونطاج في خمسة من أفلامه هي: “أحداث بلا دلالة” و”عنوان مؤقت” و”أول قصة” و”أبواب الليل السبعة”  و”أسطورة آدم وحواء”، وكان له حضور كممثل في بعضها.  

توجت بعض أفلامه بجوائز مختلفة في دورات 1984 و1995 و2001 من المهرجان الوطني للفيلم، وحظي كمبدع بالعديد من التكريمات في مهرجانات سينمائية مختلفة، خصوصا بعد إصابته المفاجئة بالشلل، من بينها مهرجان الفيلم المغاربي في دورته الأولى بوجدة سنة 2005، ومهرجان مراكش الدولي للفيلم في دورته السابعة سنة 2007، ومهرجان السينما الإفريقية بخريبكة في دورته 11 سنة 2008، ومهرجان مرتيل التاسع للسينما المغربية والسينما الإسبانية وسينما أمريكا اللاتينية، الذي أصدر عنه وعن تجربته السينمائية كتيبا جماعيا بعنوان “نظرات في سينما مصطفى الدرقاوي” سنة 2009، ومهرجان المدينة والسينما لجهة الدار البيضاء سطات سنة 2018، وغيرها من المهرجانات والتظاهرات.

كما تضمنت أنشطة الدورة التاسعة لمهرجان الرشيدية السينمائي، المنظمة سنة 2017 من طرف جمعية القبس للسينما والثقافة وشركائها، بالإضافة إلى عروض عينة من أفلامه، ندوة وطنية بمشاركة ثلة من الباحثين والنقاد السينمائيين حول تجربته السينمائية تم تجميع أشغالها سنة 2020 في كتاب جماعي بعنوان “سينما مصطفى الدرقاوي.. الثوابت الإبداعية وإبدالاتها”.

مصطفى الدرقاوي (1941- 2026) مبدع سينمائي صادق مع نفسه ومع الآخرين، مهووس بالتجريب والبحث عن أسلوب في الكتابة السينمائية يميزه عن غيره، سينماه تدعو المتلقي إلى التفكير والتساؤل وتشرك العاملين الآخرين معه في هذا التفكير، وبلاتوهات تصوير أفلامه شكلت مدرسة حقيقية لتكوين الشباب، تخرج منها الكثيرون (سعد الشرايبي، محمد مفتكر، حمزة عاطفي، كنماذج) عن طريق الممارسة والإحتكاك بمعلم كبير ومتواضع، متمكن من أدواته، والتفكير معه في كيفية إنجاز الأفلام السينمائية التي نرغب فيها ونسعى من خلالها إلى التعبير عن أفكارنا وأحاسيسنا وتطلعاتنا ومواقفنا مما يحيط بنا ويروج حولنا، بأسلوب لا يخلو من جمالية، وبمضمون يحث على التفكير نظرا لطابعه الفلسفي وما يعكسه من قلق وجودي .

فهذا الرائد المنتمي إلى جيل الستينيات، الذي مارس السينما تأليفا (كتابة السيناريو والحوار) وتوضيبا وإخراجا وإنتاجا وتشخيصا، من المخرجين المثقفين القلائل بالمغرب الذين تركوا بصمتهم واضحة في تاريخنا السينمائي من خلال غزارة إنتاجاتهم (ظل يحتل الرتبة الأولى منذ التسعينيات، على مستوى إنجاز الأفلام الروائية الطويلة، إلى حدود سنة 2020) وتميز الكثير منها إبداعيا.

فيما يلي الفيلموغرافيا الكاملة للراحل مصطفى الدرقاوي من 1964 إلى 2023:

1964: “الجدران الأربعة” (قصير غير تام).

1968: أمغار (فيلم قصير).

1968: تبني (فيلم قصير).

1968: بداية (فيلم قصير شارك فيه مصطفى الدرقاوي كممثل) وهو من إخراج كافيه بور راهناما (طالب باكستاني بمدرسة لودز).

1969: أصحاب الكهف (فيلم قصير).

1969: ظل بين ظلال (فيلم قصير شارك فيه مصطفى الدرقاوي كممثل) وهو من إخراج عبد القادر لقطع.

1972: يوم في مكان ما (قصير- فيلم التخرج).

1974: أحداث بلا دلالة (روائي طويل).

1975- 1976: أربعة أفلام وثائقية حول العالم القروي لفائدة الحكومة العراقية عبر منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة (فاو).

1976: رماد الزريبة (روائي طويل من إنجاز جماعي).

1978: الأيام المائة للمامونية (وثائقي).

1979: إثنان ناقص واحد (فيلم تلفزيوني).

1982: أيام شهرزاد الجميلة (روائي طويل).

1984: عنوان مؤقت (روائي طويل).

1984: صور عائلية (سلسلة تلفزيونية).

1986: نهاية مختلفة نوعا ما عن البداية (فيلم تلفزيوني).

1988: المرأة القروية بالمغرب (وثائقي)

1988: ميناء الدار البيضاء (وثائقي).

1988: “التحدي” (غير تام).

1988: “فنان بالصدفة” (غير تام)

1991: الصمت (فيلم قصير).

1992: أول قصة (روائي طويل).

1993: الهمس الناعم للريح بعد العاصفة (فيلم قصير).

1994: أنا (لعبة) في الماضي (روائي طويل).

1994: الناعورة (روائي طويل) من إخراج مولاي إدريس الكتاني وعبد الكريم الدرقاوي، ساهم مصطفى الدرقاوي في إعادة كتابة السيناريو بطلب من شقيقه.

1994: أبواب الليل السبعة (روائي طويل).

1995: أسطورة آدم وحواء (روائي طويل).

2001: غراميات الحاج المختار الصولدي (روائي طويل).

2003: الدار البيضاء باي نايت (روائي طويل).

2004: الدار البيضاء داي لايت (روائي طويل).

2019: مصطفى الدرقاوي بحرية (وثائقي عنه) من إخراج صوفي ديلفالي.

2023: حميدة الجايح (روائي طويل).

بقلم: أحمد سيجلماسي

Exit mobile version