راكم الممثل البيضاوي محمد كافي، منذ ستينيات القرن الماضي إلى الآن، تجربة معتبرة في التشخيص داخل مسرح الهواة ومع فرق محترفة عدة، الشيء الذي أهله للمشاركة في مجموعة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية المغربية والأجنبية، بشكل متقطع على امتداد أكثر من نصف قرن من الزمان .
لقد اضطر سنة 1974، وهو يتيم الأب، أن يشتغل موظفا بالمكتب الوطني للكهرباء، لأن ممارسة فن التشخيص وحدها لم تكن تضمن لصاحبها آنذاك حدا أدنى من العيش الكريم، وفضل منذ ذلك التاريخ أن يزاوج بين الوظيفة وتشخيص بعض الأدوار، من حين لآخر، في المسرح والسينما والتلفزيون.
إلا أنه بعد تقاعده الإداري من الوظيفة، في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، أصبح له متسع من الوقت للتفرغ لعشقه القديم. وهكذا شاهدناه في أعمال كثيرة نسبيا من بينها في السنوات العشر الأخيرة مسلسلات: “شكون كان يقول” (2026) لصفاء بركة و”فطومة” (2025) و”جنين” (2024) لإدريس الروخ و”الدائرة 1555″ (2022) للميس خيرات و”صورتك بين عينيا” (2021) لسعيد خلاف و”سولو دموعي” (2021) لإبراهيم الشكيري و”هي” (2020) لمراد الخودي… كما شاهدناه في الأفلام السينمائية: “الملعونة” (2024) للمخرج الفرنسي الشاب أبيل دانا و”رجال” (2020) للمخرج البلجيكي لوكا بيلفو و”أحلام صغيرة” (2020) لمحمد كراط و”أسرار القاهرة” (2017) للمخرج المصري السويدي طارق صالح… وفي الفيلمين التلفزيونيين “الروض الأزرق” (2023) لحسن بنجلون و”أيام الغدر” (2017) لمنصف مالزي… ومسرحيات “جابها فراسو” (2025) و”دار العجزة” (2022) لرشيد العروصي و”السعاية بالقراية” (2021) لإدريس السبتي…
حظي الفنان محمد كافي، قبل تكريمه بمكناس مساء الجمعة 3 أبريل 2026 في حفل افتتاح الدورة 15 لمهرجان الدراما التلفزية، بتكريمات أخرى لعل أبرزها تكريمه سنة 2025 بقصر الثقافة والفنون بطنجة من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بمناسبة اليوم الوطني للمسرح (14 ماي)، والإحتفاء به ليلة 27 مارس 2026 بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، في إطار النسخة السادسة لحفل جوائز الدراما الرمضانية، المنظم من طرف موقع “سفيركم”.
فيما يلي إطلالة مركزة على بداياته الفنية وتذكير ببعض أعماله الأخرى:
البدايات الأولى في المسرح:
انجذب محمد كافي، المزداد بالدار البيضاء في فاتح يناير 1951، إلى فنون الفرجة عندما كان يرافق والدته وهو طفل صغير، في السنوات الأولى لاستقلال المغرب، لتتبع حفلات عيد العرش المقامة بدرب غلف، الحي الشعبي الذي ازداد وترعرع فيه، وما تزخر به هذه الحفلات من أغاني وموسيقى وسكيتشات، كان يشارك فيها أبناء حيه اليافعين والشباب. كما انفتح في سن مبكر على عالم “الحلاقي” وما يتضمنه من فرجات متنوعة من بينها بالخصوص الحلقات التي كانت تروى فيها قصص العنترية والأزلية وغيرهما.
دفعه عشقه لفن التشخيص إلى تتبع كل ما هو مسرحي وفرجوي وتعلم أبجديات المسرح على يد الفنان حميد ابرودان، الذي كان آنذاك طالبا بالمعهد البلدي بالدار البيضاء، ثم توج ذلك كله بالتحاقه بفرقة العرائس بدار الشباب التي كانت من بين فرق مسرح الهواة المتميزة في تلك اللحظة، حيث شارك معها في مجموعة من المسرحيات. وإيمانا منه بضرورة التكوين أصبح، دون إتمامه للدراسته بثانوية محمد الخامس (مستوى البكالوريا)، طالبا بالمعهد البلدي للموسيقى والرقص والفنون الدرامية (الكونسيرفاتوار) الذي تتلمذ فيه على يد أساتذة كبار من عيار أحمد الطيب العلج (1928- 2012) وأحمد الصعري (1940- 2019) وغيرهما في الفترة من 1969 إلى 1972، وكان من بين زملائه الطلبة آنذاك بالمعهد الحسين بنياز وفؤاد سعد الله وبوشعيب الطالعي وميلود الحبيشي وإسماعيل أبو القناطر (1948- 2026) وخديجة أسد (1952- 2023) وعزيز سعد الله (1950- 2020) وغيرهم.
انفتح محمد كافي إبان دراسته بالمعهد على فرقة “مسرح التجربة”، التي كانت تحت مسؤولية صلاح الدين بنموسى، وشارك معها في مسرحيتي “المعجون” (1971- 1972) من تأليف وإخراج بنموسى و”سوق الرخا” (1972- 1973) من إخراج مصطفى الزناكي عن نص للأخوين الدخوش، وقد شاركت هذه المسرحية الأخيرة في المهرجان العالمي للشباب ببرلين الشرقية (ألمانيا) تحت إشراف الإتحاد المغربي للشغل سنة 1973 وفازت بالجائزة الثالثة، كما عرضت في نفس السنة أيضا بالمهرجان الإفريقي بتونس.
بعد تخرجه بتفوق (الميدالية الأولى) من المعهد المذكور التحق برائد المسرح المغربي الطيب الصديقي (المدير العام آنذاك للمسرح البلدي بالدار البيضاء من 1964 إلى 1977) وقضى معه ما يقارب خمس سنوات (1973- 1977) تعلم أثناءها الشيء الكثير داخل فرقتي “مسرح الناس” و”المسرح الجوال” من خلال احتكاكه بأعضائهما وعلى رأسهم الرائد الصديقي (1938- 2016) عبر مشاركته في مسرحيات من قبيل ملحمة “مولاي إدريس” (1974- 1975) و”بوكتف” (1976- 1977) وغيرهما في السبعينات.
من المسرح إلى السينما والتلفزيون:
بالموازاة مع اشتغاله في المسرح، اقترب محمد كافي لأول مرة من عوالم السينما والتلفزيون في عقد الثمانينات، حيث شاهدناه في فيلم سينمائي متوسط الطول بعنوان “غياب” (1982) من إخراج سعد الشرايبي وبطولة الراحلان عائد موهوب وثريا جبران، وفي أول مسلسل مغربي حقيقي حقق نجاحا منقطع النظير آنذاك بعنوان “ستة من ستين” (1986) من إخراج حميد الزوغي (ست حلقات) وبطولة الراحلين عبد القادر مطاع (في دور الطاهر بلفرياط) ومصطفى دسوكين وإلى جانبهما ثلة من أشهر ممثلي وممثلات تلك المرحلة. تلت ذلك مشاركات في أعمال أخرى من بينها: سلسلة “زهور وقدور” للراحل يسري شاكر ومسلسلات “وفاء” (1988) للراحل محمد عاطفي و”عز الخيل مرابطها” (1991) لفريدة بورقية و”موعد مع المجهول” (2004) لحسن الواحدي و”حبال الريح” (2015) لإدريس الروخ و”تاريخنا فخرنا- السيدة الحرة” (2015) لأيوب اليوسيفي…، وأفلام التلفزيون “الريح” (2002) لعبد الكامل الصباري و”الفراشة السوداء” (2002) لحسن غنجة…، وأفلام السينما “حب في الدار البيضاء” (1991) و”نصف السماء” (2014) لعبد القادر لقطع و”رصيد غير كاف” (2016) فيلم قصير لهيندا أولمودن…
هذا بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية الأجنبية المصورة جزئيا أو كليا بالمغرب، التي شارك فيها بأدوار متفاوتة القيمة (جلها أدوار صغيرة)، نذكر منها العناوين التالية: “سيريانا” (2005) للمخرج الأمريكي ستيفن غاغن و”حكايات من الواد” (2005) للمخرج الفرنسي الجزائري جمال بنصالح و”منطقة خضراء” (2010) للمخرج البريطاني بول كرين كراس و”الجنس والمدينة 2″ (2010) للمخرج الأمريكي مايكل باتريك كينغ و”ولد في مكان ما” (2013) للمخرج الفرنسي الجزائري محمد حميدي (وهي أفلام سينمائية)… و”جزائر الأوهام- ج1: طبيب الأمير” (2001) للمخرج الفرنسي فرانسوى لوتشاني، وهي سلسلة تلفزيونية تاريخية من ثلاث حلقات، “قدماء المصريين” (2003) للمخرج البريطاني توني ميتشل، الحلقة الثالثة بعنوان “جريمة قتل في المعبد” من هذه السلسلة التلفزيونية الوثائقية التاريخية التي صورت باستوديوهات ورزازات، والفيلم التلفزيوني “قتل يسوع” (2015) للمخرج الأنجليزي كريستوفر ميناول…
تجدر الإشارة إلى أن الممثل القدير محمد كافي ظل مرتبطا بالمسرح، بعد سبعينات القرن الماضي، إذ شارك في عقد الثمانينات في مسرحيات من قبيل “فكاك الوحايل” (1983-1984) لعزيز سعد الله وملحمة “مسيرتنا” (1985-1986) للطيب الصديقي وغيرهما… وظل هذا الإرتباط بأب الفنون قائما إلى يومنا هذا.
فتحية حارة له بمناسبة هذا التكريم الجديد ومزيدا من العطاء والتميز.
بقلم: أحمد سيجلماسي
