حظي الرائد السينمائي محمد عبد الرحمان التازي (84 سنة) بتكريم جد مستحق، إلى جانب وجوه سينمائية مغربية أخرى وغيرها، مساء الخميس 25 يونيو 2026 في حفل افتتاح الدورة الثالثة لمهرجان سينما المرأة والطفل بالمركز الثقافي لمدينة مشرع بلقصيري، نظرا لحضور المرأة كتيمة أساسية في جل أعماله السينمائية والتلفزيونية منذ أول أفلامه السينمائية الروائية الطويلة “إبن السبيل” (1981) إلى آخرها “فاطمة، سلطانة لا تنسى” (2022)…
وقد ألقى كاتب هذه الورقة بهذه المناسبة شهادة مركزة في حقه ذكر فيها بأهم محطات مسيرته الفنية الطويلة، التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، الشيء الذي يجعله جزءا لا يتجزأ من تاريخ تجربتنا السينمائية الفتية.
وتعميما للفائدة أعيد نشر البورتريه الذي خصصته للمحتفى به في الجزء السادس من سلسلتي “وجوه من المغرب السينمائي” الصادر في أكتوبر 2024 تحت عنوان “سينمائيون رواد بيننا” من الصفحة 47 إلى الصفحة 54:
تجربة سينمائية عمرها ستون سنة:
محمد عبد الرحمان التازي، المزداد بسيدي سليمان يوم 3 يوليوز 1942، من السينمائيين الأوائل الذين انطلقت تجربتهم في التصوير والإخراج السينمائيين منذ الستينيات، حيث راكم تجربة سينمائية وتلفزيونية معتبرة على امتداد ما يفوق ستة عقود من الزمن وشارك في إنجاز أفلام طويلة تعتبر علامات بارزة في تاريخنا السينمائي من قبيل “وشمة” و”بادس” و”شاطىء الأطفال الضائعين” و”البحث عن زوج امرأتي” وغيرها. ويُعتبر هذا السينمائي، ذي الجذور الفاسية، جزءا لا يتجزء من تاريخ السينما ببلادنا لأن إسهاماته الفنية ارتبطت بأهم محطات هذا التاريخ، وكان له حضور متميز وفاعل على مستويات عدة.
بدأت علاقته بالسينما صدفة حين كان يقضي عطلة الصيف بسيدي سليمان إذ وجد نفسه ذات يوم في السوق الأسبوعي أمام شاشة كبيرة تقوم بالدعاية لمنتوج دوائي ما، وبقي هذا المشهد يسكنه لمدة طويلة حتى ترسخ لديه حلم التواصل مع الجمهور بالأفلام. بعد الدراسة الثانوية بالرباط اطلع في جريدة وطنية على إعلان للمركز السينمائي المغربي يخبر بتخصيص منح للدراسة بفرنسا في المجال السمعي البصري بعد اجتياز مباراة، بادر إلى الترشح ليلتحق سنة 1961 بمعهد الدراسات السينمائية العليا (IDHEC) بباريس، الذي تخرج منه سنة 1963 بدبلوم في إدارة التصوير ضمن الفوج 18 رفقة أحمد بوعناني وعبد الله الرميلي في المونتاج ومحمد السقاط وعبد المجيد الرشيش في التصوير؛ وعند عودته إلى المغرب اشتغل موظفا (مصورا ومدير تصوير) بالمركز السينمائي المغربي من 1964 إلى 1968، حيث كلف بتصوير مجموعة من الروبورتاجات السينمائية ضمن فرق “الأنباء المصورة المغربية”، كما تقلد في الفترة من 1969 إلى 1980 مناصب إدارية وتقنية بمصلحة الأنباء والقسمين الإداري والتقني والعلاقات الخارجية داخل هذا المركز.
لقد شكلت الستينيات بالنسبة للتازي محطة الانطلاق في ممارسة العمل السينمائي التقني والإداري، إلى جانب أطر المركز السينمائي المغربي وتقنييه، الشيء الذي جعله يحتك بالميدان ومكنه من التعرف عن قرب على واقع الممارسة السينمائية بالبلاد، التي كان يطغى عليها الطابع الرسمي العمومي؛ حيث كانت الدولة، من خلال مؤسسة المركز السينمائي، هي التي تنتج وتمول مختلف الأعمال السينمائية ذات الطابع الإخباري والتحسيسي والتوعوي والدعائي. ولم تكن الفرص متاحة آنذاك أمام السينمائيين الموظفين لكي ينجزوا أعمالا فنية تعكس رؤاهم وتوجهاتهم الفكرية وقدراتهم على الخلق والإبداع. فرغم الكم الهائل من العناوين التي تم إنتاجها طيلة الستينيات لا نستطيع العثور فيه إلا على القليل من الأعمال ذات القيمة الإبداعية. ولعل محمد عبد الرحمان التازي كان واحدا من السينمائيين المغاربة آنذاك الذين تمكنوا من إنجاز بعض التحف السينمائية القليلة نذكر منها “طرفاية أو مسيرة شاعر” (1966) و”ستة وإثنا عشر” (1968)، بالتعاون مع كل من أحمد بوعناني وعبد المجيد الرشيش وغيرهما.
ارتبط إسم عبد الرحمان التازي كذلك بأولى التجارب المغربية على مستوى إنجاز الأفلام الروائية الطويلة. فقد شارك كمدير تصوير في أول فيلم مغربي طويل “الحياة كفاح” (1968)، وبعده ساهم في إنتاج وتصوير فيلم “وشمة” (1970)، الذي جمعت لحظة إنجازه لأول مرة بينه وبين نور الدين الصايل، الكاتب العام آنذاك للفيدرالية المغربية لنوادي السينما، حيث توطدت انطلاقا من هذه اللحظة أواصر صداقة متينة بين الرجلين أثمرت أواخر السبعينيات الإعداد المشترك لمجموعة من حلقات البرنامج السينمائي التلفزيوني “أفلام”، الذي كان يخرجه التازي ويقدمه الصايل على شاشة التلفزة المغربية سنتي 1978 و1979، واستمرت علاقات الصداقة والتعاون الفني بينهما لاحقا.
ومعلوم أن فيلم “وشمة”، من تأليف وإخراج حميد بناني، ساهم في إنتاجه هذا الأخير وإلى جانبه محمد عبد الرحمان التازي ومحمد السقاط (ساهما أيضا في تصويره) وأحمد بوعناني (اضطلع فيه أيضا بمهمتي السكريبت والمونطاج) من خلال شركتهم “سيغما 3″، وذلك بدعم من عمر غنام (1930- 1971)، مدير المركز السينمائي المغربي آنذاك، ورئيس الفيدرالية المغربية لنوادي السينما المحامي عبد الحق العلمي.
لتعميق دراساته السينمائية توجه التازي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتلقي تكوين في فنون التواصل داخل إحدى جامعاتها (سيركيوس) في الموسم 1974/1975، وقدم سنة 1980 استقالته من المركز السينمائي وأسس شركته الخاصة “فنون وتقنيات سمعية بصرية”، التي أنتج وأخرج من خلالها مجموعة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية بما فيها أعمال ذات طابع وثائقي وإشهاري وتحسيسي وتعليمي لفائدة القطاعين العام والخاص. كما أنتج أو نفذ إنتاج برامج ثقافية لفائدة التلفزتين المغربية (إتم) والإسبانية (القناة الأولى وتلفزة مدريد)، هذا بالإضافة إلى تقديم خدمات في الإنتاج والإستشارة الفنية لصالح مجموعة من الأفلام الأجنبية المصورة ببلادنا.
في مطلع عقد الثمانينيات سيترسخ التعاون الفني بين التازي والصايل من خلال فيلم “ابن السبيل” (1981)، الذي أنتجه وكتب له السيناريو والحوار نور الدين الصايل وأخرجه عبد الرحمان التازي، كأول تجربة إخراجية له على مستوى الفيلم الطويل. اشتغل التازي، بعد هذا الفيلم، مديرا للتصوير في فيلمين هما “تاغونجة” (1981) لعبدو عشوبة و”غراميات” (1986) للطيف لحلو، كما أخرج فيلما قصيرا سنة 1987 بعنوان “على أبواب أوروبا”. وفي سنة 1988 أخرج فيلمه التحفة “بادس”، الذي يعتبر قفزة نوعية في مساره كمخرج سينمائي خصوصا على المستوى التقني. لقد ظل التازي في هذا الفيلم وفيا لأسلوبه السينمائي في “ابن السبيل” المتميز بالبساطة والوضوح على مستوى سرد الحكاية الفيلمية، وبالعمق الفكري والغنى الدلالي على مستوى المضمون. ولعل هذا الأسلوب السهل الممتنع يرجع في الأصل إلى تعاونه مرة أخرى في كتابة السيناريو والحوار مع الناقد المفكر نور الدين الصايل (1947- 2020) والسيناريست المتمرسة فريدة بن اليازيد.
في عقد التسعينيات انتقل عبد الرحمان التازي من “سينما النخبة” إلى “سينما الجماهير العريضة” من خلال إخراجه لفيلم “البحث عن زوج امراتي” (1993)، الذي حطم الرقم القياسي آنذاك على مستوى الإقبال الجماهيري نظرا لطابعه الكوميدي، ولعل هذا النجاح الجماهيري هو الذي أغراه لإخراج جزء ثاني للفيلم بعنوان “لَلاَّ حبِّي” (1996)..
من أفلام التازي السينمائية الطويلة الأخرى كمخرج: “جارات أبي موسى” (2003) و”البايرة” (2012) و”فاطمة سلطانة لا تنسى” (2022). ومن أفلامه القصيرة: “معمل السكر ببهت” (1964) بالإشتراك مع عبد الله الرميلي، “زيارة الرئيس لوبكي للمغرب” (1966)، “فروسية القرن” (1971)، “الفلبين، وداعا” (1978)، “سارق الشوفة” (1995)… ومن الأفلام الأخرى التي صورها أو أدار تصويرها: “لالة ميمونة” (1964) و”موعد بالدار البيضاء” (1964) و”مسجد تينمل” (1966) لمحمد التازي بن عبد الواحد، “سين أغفاي” (1967) و”بضواحي تساوت” (1968) للطيف لحلو، “صناعة الخزف بآسفي” (1969) لأحمد المسناوي، “انتظار” (1970) لعبد العزيز الرمضاني… هذا بالإضافة إلى إخراجه لمجموعة من الأعمال التلفزيونية يطغى على جلها الطابع الكوميدي من بينها العناوين التالية: مسلسل “الحسين والصافية” (2011) وسيتكوم “هنية ومبارك ومسعود” (2013) وأفلام “محاين د الحسين” (2005) و”خيط البحرار” (2008) و”راس لمحاين” (2009) و”الترقية” (2013) و”الماكينة (2015) و”الكومبارس” (2018) و”الدار المشروكة” (2020)، و”الوارث” (2024)…
تجدر الإشارة إلى أن محمد عبد الرحمان التازي، الذي شغل منصب مدير للإنتاج بالقناة التلفزيونية المغربية الثانية من 2001 إلى 2003، أسندت له فيما بعد مهمة مستشار مكلف بالإنتاج لدى الإدارة العامة لنفس القناة من 2005 إلى 2007. كما كان رئيسا سابقا للغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام، وقبلها لرابطة المؤلفين والمخرجين والمنتجين المغاربة والغرفة المغربية للتقنيين. وقد أصدر الأنتروبولوجي الأمريكي كيفن دواير، عندما كان مقيما بالمغرب، كتابا بعنوان “خبايا الدار البيضاء.. محمد عبد الرحمان التازي ومغامرة السينما المغربية” (2004)، ركز فيه على فيلم “البحث عن زوج امراتي” (1993) من خلال حوارات مع مخرجه. كما أصدرت جمعية القبس للسينما والثقافة بالرشيدية سنة 2009 كتابا جماعيا حول تجربته السينمائية بعنوان “المكونات الجمالية والفكرية لسينما محمد عبد الرحمان التازي”. وفي سنة 2025 أصدرت الجمعية المغربية لنقاد السينما كتابا جماعيا حول تجربته الفنية بعنوان “محمد عبد الرحمان التازي.. رهانات تأسيس سينما مغربية”، ضمن سلسلتها السنوية “لقاءات سينمائيون ونقاد”.
حظي التازي بعدة تكريمات هنا وهناك لعل أهمها تكريمه الخاص سنة 2010 على مجمل أعماله بالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش وتكريمه سنة 2022 بالمهرجان الوطني للفيلم.
صور:
1، صورة من أيام الشباب.
2، صورة من أيام النضج.
3، غلاف كتاب كيفن دواير.
4، غلاف كتاب الجمعية المغربية لنقاد السينما.
