قراءة نقدية شاملة في فيلموغرافيا أحمد سيجلماسي (1897-2024)
بقلم زينب الزاوي (باحثة في الأدب و الفنون- بني ملال)
تعدّ السينما مرآة تعكس تحولات المجتمعات، ووعاءً لصيرورة الهويات.
في سياق السينما المغربية، يمثل كتاب “الفيلموغرافيا السينمائية المغربية” للمؤرخ والناقد السينمائي أحمد سيجلماسي عملاً رائداً، ليس فقط لتوثيقه لمسار هذه السينما، بل لكونه يؤسس لخطاب نقدي عميق.
يغطي الكتاب مسيرة تزيد عن 127 عاماً (من 1897 إلى 2024)، متتبعاً تحول السينما المغربية من أداة استعمارية إلى مشروع فني وطني، ثم إلى صناعة تبحث عن ذاتها في العصر الحديث.
من خلال قراءة تركيبية تجمع بين المقاربة التاريخية وتحليل النصوص والصور الموثقة في الكتاب، يمكننا تفكيك رحلة السينما المغربية عبر أربعة معايير نقدية محورية، تبرز
معالمها في الفصول الثلاثة للكتاب.
1، مرور السينما من ال”أنأ” إلى ال”نحن”:
يؤرخ الفصل الأول من كتاب الأستاذ سيجلماسي لمرحلة التأسيس التي هيمن فيها الآخر. فقبل الاستقلال، كانت السينما في المغرب مجرد أداة في يد المستعمر الفرنسي (كما في لقطات غابرييل فير في صحبة السلطان). كانت الكاميرا تمثل ال”أنا” الغربي الذي يصنع صورة متخيلة عن المواطن المغربي كموضوع للفضول الإثنوغرافي أو كخلفية للبطولات الاستعمارية. في هذا السياق، كان المغربي مُمثَّلاً صامتاً في فيلم الآخر.
لكن مع انتقالنا إلى الفصل الثاني وما تلا الاستقلال، وتحولنا إلى الجداول الزمنية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نلمس ميلاد نحن. إذ يوثق سيجلماسي دخول رواد مثل محمد عصفور وإبراهيم السايح، الذين أمسكوا بالكاميرا وأعادوا تعريف الصورة.
وهي فترة انتقلت فيها السينما من الـ”أنا” الاستعماري إلى نحن الجماعي الذي يسرد حكايته بنفسه. هذا التحول الجوهري يتجسد بقوة في الفصل الثالث (الاستنتاجات)، حيث تأخذ الأرقام صيغة دليل جماعي؛ فتمر من مجرد 4 أفلام في الخمسينيات إلى 578 فيلماً بين
1955 و2024، شارك في إخراجها 261 مخرجاً ومخرجة. إن تعدد الأصوات وتنوع الأجيال التي يقدمها الفصل الثالث هو الانتصار النهائي لـ “نحن” الإبداعي على أنا الهيمنة الأجنبية.
2، مرور السينما من المسكوت عنه إلى المُعْلَن (كسر التابوهات):
يمثل الفصل الثاني القلب النابض لهذا الانتقال. في مرحلة الخمسينيات، كانت الأفلام محكومة بمحدودية الإمكانيات وهمّ توثيق استقلال الوطن (كمرحلة ظل سينمائي). لكن مع تطور السينما في السبعينيات والثمانينيات، وبحسب ما يظهر من عناوين الأفلام التي يسردها سيجلماسي، بدأت الكاميرا تخرج من دائرة الخطاب الرسمي لتكشف عن واقع اجتماعي عميق.
يصل هذا التحول إلى ذروته في الفصول المتعلقة بالعقدين الأخيرين، حيث تناقش الأفلام التي يسردها الكاتب (مثل أفلام هشام العسري، حميد الزوغي، أو نبيل عيوش) قضايا كانت في الظل أو المسكوت عنه: الهجرة السرية، العنف، الفساد، والصراعات الطبقية. هذا الانتقال من الصامت (الذي يكتفي بالصورة التوثيقية الصامتة) إلى المتكلم (الذي يجرؤ على النقد والحوار الجريء) يؤكده الفصل الثالث، حيث يفصح سيجلماسي بجرأة منقطعة النظير عن إخفاقات الصناعة السينمائية، معترفاً بأنه ورغم توفر العديد من المقومات، فإن الإنتاج يبقى متقطعاً، مما يعدّ نوراً نقدياً جديداً يسائل الذات السينمائية.
3، مرور السينما من الكتابة إلى جمالية الصورة:
من خلال هاته الفيلموغرافيا لا يقتصر هذا التحول على المضمون فقط، بل يمتد إلى الشكل الفني. في الفصل الأول من الكتاب، كانت الأفلام، بحكم ارتباطها بالاستعمار، محكومة بمنطق الكتابة التوثيقية أو السياسية، وكانت الصورة مجرد حامل للرسالة.
بيد أن الفصل الثاني، ومع تصاعد الإنتاج (من 17 فيلماً في السبعينيات إلى 217 في العقد الأول من الألفية الحالية)، بدأت السينما المغربية تحول تركيزها نحو ماهو جمالي. فالتعدد الكمي سمح ببروز مدارس إخراجية وتشكيل بصري متقن، كما يتجلى في صور ملصقات
الأفلام المرفقة بالكتاب. لياتي الفصل الثالث، فتتحول هذه الجمالية إلى عنصر إحصائي، حيث يربط سيجلماسي بين تطور الأرقام ووعي المخرجين التقني. في خضم هذا التحول انتقل المخرجون من مجرد ناقلين للحكاية إلى مهندسين بصريين يشتغلون على التشكيل السينمائي والإضاءة والرؤية الفنية، وهو ما يشهد عليه دخول أجيال جديدة من المخرجين والمخرجات في العشرية الأخيرة.
4، مرور السينما من الخلق والإبداع اللاواعي إلى الإبداع الواعي وإنتاج المعرفة:
أخطر ما يبرزه الأستاذ سيجلماسي في هذا الكتاب هو تحويل الفعل السينمائي إلى فعل معرفي. في الفصل الثاني، حيث نرى المخرجين الأوائل يمارسون السينما كخلق لاواعي، كردة فعل عفوية تجاه الاستقلال، أو كمحض تقليد للنماذج الأجنبية.
وهنا تبرز أهمية الفصل الثالث والجداول الإحصائية في نهاية الكتاب لأنها تعلن ميلاد الإبداع الواعي وإنتاج المعرفة. كما يعتبر إصدار هذا الكتاب نفسه، الذي يحصي الأفلام وينقد مساراتها، دليلا على أن السينما المغربية لم تعد مجرد ترفيه، بل أصبحت مادة للدراسة والتنظير.
لقد حاول سيجلماسي، من خلال إحصاءاته وتصنيفاته، أن يبني ذاكرة سينمائية وطنية، ويسد الفراغ الذي طالما عانى منه التوثيق السينمائي المغربي. ومنه، نلامس تحول السينما من مجرد منتج ثقافي فني إلى رافد من روافد المعرفة التاريخية والفنية، ويعد هذا النبش في الذاكرة السينمائية المغربية بمثابة شاهد على هذا الوعي الجديد.
وأخيرا فإن قراءة فيلموغرافيا الأستاذ أحمد سيجلماسي من خلال فصول الكتاب الثلاثة، ليست مجرد استعراض لتواريخ الأفلام، بل هي رحلة عميقة في التحولات التي عرفتها تركيبة المواطن المغربي عبر ما يقارب قرنا ونصف القرن. لقد نجح الكتاب في رسم خريطة دقيقة لانتقال السينما المغربية من أنا المستعمر إلى نحن المبدع، ومن ظلال الصمت والمسكوت عنه إلى نور النقد والجرأة، ومن مجرد أداة كتابية توثيقية إلى فضاء بصري جمالي متكامل، وأخيراً من إبداع حدسي لاواعٍ إلى مشروع ثقافي واعٍ ينتج المعرفة
ويؤسس لهوّيته البصرية. يبقى هذا الكتاب مرجعاً نقدياً وتاريخياً لا غنى عنه لفهم كيف استطاعت الكاميرا المغربية، عبر 127 عاماً، أن تصنع لنفسها مكاناً في ذاكرة العالم وتاريخه البصري.



