سبتمبر 23, 2026
أخبار بيوفيلموغرافيات

وداعا زكي الهواري (1936- 2026).. الممثل المغربي القدير

توفي صباح يوم الإثنين 21 شتنبر 2026 بالرباط، عن عمر ناهز 90 سنة، الممثل المغربي القدير الأستاذ زكي الهواري، المشهور بنبرة صوته الفريدة والمميزة وبفصاحته العالية وتشبثه الشديد باللغة العربية وحرصه على مخارج الحروف، وهو من رواد فن التشخيص بالمغرب، الذين انطلقت تجاربهم المسرحية الأولى قبيل استقلال المغرب بسنوات قليلة.

وبهذه المناسبة الأليمة أتقدم إلى أسرته الصغيرة وأسرته الفنية الكبيرة بأحر التعازي سائلا المولى عز وجل أن يغفر له ولنا وأن يتغمده بواسع رحمته.

فيما يلي إطلالة مركزة على جوانب من مسيرته الفنية الطويلة:

ولد بفاس وتوفي بالرباط:

الراحل زكي الهواري من مواليد فاس سنة 1936، ظهر ميله إلى فن التشخيص منذ وقت مبكر، الشيء الذي دفعه إلى الإنخراط في بعض جمعيات مسرح الهواة بمسقط رأسه، من بينها جمعية أسسها الرائد عزيز السغروشني، أحد قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس بفاس إبان عهد الحماية، المنفتحين على المسرح وفنون الفرجة، الذي قضى لاحقا 36 سنة داخل إدارة مسرح محمد الخامس بالرباط بعد سنوات قليلة من افتتاح هذه المعلمة سنة 1962، وجمعية هواة المسرح الوطني، التي شارك معها في مسرحية “اليانصيب” (موسم 1955- 1956)، وهي من إخراج جماعي.

بعد تمرسه مع فرق الهواة واستفادته من مجموعة من التداريب، دخل زكي الهواري منذ سنة 1956 غمار مسرح المحترفين مع فرقة التمثيل المغربي، التي ستتحول فيما بعد إلى فرقة المعمورة، ومع فرقة التمثيل العربي للإذاعة المغربية، التي تأسست سنة 1949، وشارك معهما بأدوار مختلفة في مسرحيات من قبيل: “إرادة الحياة” من إخراج محمد فراح، في موسم 1956- 1957، و”وفاء” و”مريض خاطرو” من إخراج بيير مودوي و”العنكبوت” من إخراج فريد بنمبارك و”ثمن الحرية” من إخراج ألبير بوطبول، في موسم 1957-1958، و”المنافق” من إخراج الطيب الصديقي و”المثري النبيل” من إخراج بيير لوكا و”حادة” من إخراج أحمد الطيب العلج و”ملاك الدويرة” من إخراج فريد بنمبارك، في موسم 1959- 1960، و”البلغة المسحورة” من إخراج شارل نوك، في موسم 1960- 1961، و”عسيلة” من إخراج العربي الدغمي وعبد الرزاق حكم، في موسم 1964- 1965، و”هاملت” من إخراج محمد سعيد عفيفي، في موسم 1967- 1968، و”عطيل” من إخراج عبد الصمد دينية، في موسم 1968- 1969، وغيرها من المسرحيات والأعمال الإذاعية (تمثيليات ومسلسلات وسكيتشات)… إلى جانب ممثلين ومؤلفين ومخرجين وتقنيين من عيار أحمد الطيب العلج وفريد بنمبارك وحسن الصقلي والعربي اليعقوبي ووفاء الهراوي والعربي الدغمي والهاشمي بنعمر وعبد الصمد دينية والبشير السكيرج ومحمد سعيد عفيفي وفاطمة الركراكي وخديجة جمال وصفية الزياني وعائد موهوب وأحمد العلوي وحبيبة المدكوري وسليم برادة ومحمد حماد الأزرق وعبد السلام العمراني وعبد الله العمراني وعبد القادر مطاع وحمادي التونسي وعبد الوهاب الدكالي والطيب الصديقي وغيرهم كثير…

لم يبق على قيد الحياة من الأسماء المذكورة أعلاه إلا الممثل الفكاهي القدير أحمد العلوي والممثل القيدوم الهاشمي بنعمر، أطال الله في عمرهما، وهما يعيشان بمدينة الرباط، التي توفي بها مؤخرا الرائد المسرحي والزجال زكي الهواري وفي رصيده ما يفوق مائة مسرحية وملحمة، نذكر منها بالإضافة إلى ما سبق العناوين التالية: “الرزق المشروك” (1985- 1986) و”كلها يلغي بلغاه” (1986- 1987)، وهما من إخراج عبد الله العمراني (مع فرقة فنون)، و”وزير غرناطة” (1993- 1994) و”القوق في الصندوق” (2003- 2004)، وهما من إخراج عبد الصمد دينية، وغيرها…

لم تنصفه السينما الوطنية:

رغم وقوفه مبكرا أمام كاميرا السينما في فيلم “إبراهيم” أو “بداية وأمل” (45 د) من إخراج جان فليشي وإنتاج المركز السينمائي المغربي، إلى جانب حسن الصقلي والعربي الدغمي والطيب الصديقي وعبد الرزاق حكم وحمادي عمور والبشير لعلج وإبراهيم الوزاني وأحمد الطيب لعلج ومحمد حماد الأزرق والإذاعي أحمد الريفي والزجال علي الحداني ولطيفة كمال (زوجة حسن الصقلي آنذاك) وغيرهم، وهو فيلم عرض لأول مرة ومثل المغرب في مهرجان برلين السينمائي الدولي سنة 1957، لم يلتفت سينمائيونا إلى زكي الهواري، وغيره من الرواد ببلادنا، ولم يوظفوا طاقاته الهائلة في التشخيص (الكوميدي بشكل خاص). فباستثناء أدوار صغيرة في بعض الأفلام السينمائية، من قبيل “ذراعي أفروديت” (1978) من إخراج الروماني ميرسيا دراغان، وهو إنتاج مغربي روماني مشترك صور بالمغرب بمشاركة ممثلين من البلدين، من بينهم في الجانب المغربي عبد القادر مطاع والعربي الدغمي ومحمد أحمد البصري وغيثة بنعبد السلام وعبد الله العمراني وهلال عبد اللطيف وصلاح الدين بنموسى وأخرين، وفيلم “البحث عن زوج امراتي” (1993) لمحمد عبد الرحمان التازي، وفيلم “أصدقاء الأمس” (1998) لحسن بنجلون وغيرها، لا نجد له حضورا كبيرا في الفيلموغرافيا السينمائية الوطنية.

وعلى العكس من ذلك شارك الراحل زكي الهواري، إلى جانب ممثلين مغاربة آخرين، في مجموعة محترمة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية الأجنبية (حلقات من السلسلة الدينية “الإنجيل” في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، نموذجا) المصورة جزئيا أو كليا بالمغرب.

حضور لا بأس به في الإذاعة والتلفزيون:

كان للراحل حضور ملحوظ كممثل أو مؤلف أو مخرج في الكثير من التمثيليات والمسرحيات والمسلسلات الإذاعية (من قبيل “الأزلية” و”راس الخيط” و”عمارة الرهونية”…)، التي كانت تبث على أمواج الإذاعة الوطنية في عصرها الذهبي، مع فرقة الأستاذ عبد الله شقرون (بالخصوص) ومن معه من رواد التشخيص الإذاعي والمسرحي والتلفزيوني آنذاك. كما كان له أيضا حضور (محتشم على العموم) في بعض الأعمال التلفزيونية لاحقا من بينها: مسلسلات: “الصمت” (1978) من إخراج جورج غياض، وهو إنتاج مغربي لبناني مشترك، و”زليخة” (1981) و”عائلة السي مربوح” (2001) لحسن الواحدي و”علاش أولدي؟” (2008) و”غضبة” (2010) من إخراج محمد حسن الجندي… وفيلم “الطريق إلى طنجة” (2012) للمخرج عبد الكريم الدرقاوي…

شهادة الشوبي في حق الهواري:

نشر الممثل الراحل محمد الشوبي قيد حياته ذات يوم تدوينة فايسبوكية على شكل شهادة في حق الممثل الرائد زكي الهواري، فيما يلي نصها:

“هو رجل صال وجال وأعطى وابدع في مجاله، رجل تعتقد أنه بعيد عنك بخجله، وما أن تقترب منه حتى تدرك حلاوة الإقتراب منه، تدرك تواضعه وبلاغة حديثه، تدرك عمق تحليله، هو الذي تدرّج في كل أنواع التشخيص، من المسرح إلى السينما مرورا بالاذاعة و التلفزة، رجل تنطبق عليه مقولة والسنابل ملأى رؤوسها تنحني تواضعا.

زكي الهواري أستاذ في اللغة، في الصرف والنحو و الإعراب، يفرق بين الحال والبدل، يصحح لزملائه الحوارات لتعطي منطوقها بدقة، إضافة إلى أنه بعد أن أصبحت بعض الأفلام الأجنبية تستعين بالممثلين المغاربة، وقبل أن يقتحم هذا المجال، قرر تعلم اللغات الأجنبية التي تطلبها هذه الانتاجات، الإنجليزية و الإيطالية والفرنسية، لكي يشتغل بكرامة ويفهم ما يشتغل فيه، ومن يشتغل معه، ولعب هذا الممثل القدير في أزيد من مائة مسرحية في مساره، والعديد من الملاحم منها ملحمة أصوات و أضواء للطيب الصديقي والتي كان لي الشرف أن ألعب فيها.

السي زكي الهواري شارك في العديد من الأفلام التلفزية (الكوميدية في الغالب)، و السينمائية منها “البحث عن زوج امراتي” و”ذراعي أفروديت”، كما أخرج ولعب في العديد من المسرحيات والمسلسلات الإذاعية.

بطيبوبته يخلق الأستاذ زكي الهواري المستملحات، ومستملحاته لو كتبناها لشكلت سلسلة فكاهية يكون هو بطلها.. تواضعه جعله يبقى ملتحما بساكنة “كارتيي لوسيان” (=حي المحيط) الذي كنت اقطن به قبل انتقالي للسكن بالقنيطرة، وكنت التقيه بمقهى عثمان التي كان يرتادها السيناريست المرحوم محمد اعريوس ، يرتشف قهوته بكل أدب محييا كل من انتبه له (…) لا يشتكي، يتزين بأناقته ولو كان ذاهبا للتسوق، ليعكس للجمهور أن الفنان يعيش بكرامة، ولم يكن يوما عالة على أحد، لأنه يتبنى ككل الفنانين الشرفاء فكرة، الفنان كريم يقتسم أحاسيسه وعطاءه مع الناس ومن أجلهم، ومن هم بهذا النبل لا يمكنهم إلا أن يعيشوا بكرامة، كان في جعبته الكثير لو إنتبه له المنتجون.

تجربة عمرها سبعون سنة:

راكم الراحل زكي الهواري تجربة فنية تجاوز عمرها 70 سنة، على خشبات المسارح وخلف ميكرفونات الإذاعة وأمام كاميرات السينما والتلفزيون، وهي تجربة جديرة بالتوثيق.

نتمنى أن تلتفت وزارتنا الوصية على قطاعات الثقافة والفنون ونقاباتنا الفنية وخزانتنا السينمائية وقنواتنا التلفزيونية وإذاعاتنا المختلفة وجامعاتنا والمعاهد الفنية التابعة لها وغيرها إلى مسألة توثيق ذاكرتنا الفنية، فجل الرواد رحلوا عن عالمنا ولا نملك لحد اليوم قاموسا أو موسوعة تعرف بهم وبأعمالهم المختلفة. فحتى تاريخ ميلاد الراحل زكي الهواري لم نعثر عليه في كل ما نشر عنه لحد الآن من تعازي وأوراق إنشائية تجتر معلومات غير مدققة بشكل آلي، ولولا عثوري بالصدفة على نسخة من “دليل السينما والسمعي البصري المغربي” لإريك هولسن، صادرة في موسم 1998- 1999، لما وجدت صورة محترمة له وسنة ميلاده. السؤال المطروح: هل خزانتنا السينمائية ومركزنا السينمائي عاجزان عن إعداد وإصدار دليل خاص بالممثلين والمخرجين وباقي العاملين في حقول السينما ببلادنا؟

رحم الله فقيدنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

أحمد سيجلماسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *