توفي يوم فاتح فبراير 2026 بالدار البيضاء المبدع السينمائي والتلفزيوني عبد الرحمان خياط عن عمر ناهز 86 سنة، مخلفا وراءه العديد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية التي ساهم في إنجازها.
ومعلوم أن هذا الفنان الرائد، المزداد بالدار البيضاء سنة 1940، سبق له بعد تخرجه سنة 1962 من معهد الدراسات السينمائية العليا (IDHEC) بباريس (الدفعة 17- شعبة: إخراج وإنتاج ومحافظة)، أن اشتغل لمدة قصيرة بالمركز السينمائي المغربي والتلفزة المغربية، وعندما غادرهما سنة 1963 فضل الإشتغال بشكل حر في مجال تخصصه، حيث ساهم في إخراج وإنتاج العديد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية وغيرها. كما أشرف على إدارة مجموعة من المهرجانات (مهرجان الفنون الشعبية بمراكش) والفرق المسرحية (فرقة المعمورة) وترأس مصلحة التواصل السمعي البصري من 1991 إلى 1995 بوزارة الجالية المغربية بالخارج (حسب دليل المخرجين السينمائيين المغاربة للصديق خالد الخضري- النسخة الفرنسية الصادرة سنة 2006)…
ففي الجانب السينمائي ساهم الراحل في إخراج أحد الأفلام المغربية الطويلة الأولى بكاميرا 35 ملم بعنوان “حديث الأجيال” (1964). وهذا الفيلم، الذي أنتجته التلفزة المغربية احتفاء بعيد الشباب، في عهد مديرها آنذاك الراحل عبد الله شقرون، بمساهمة المركز السينمائي المغربي، انطلاقا من سيناريو كتبه المخرج الراحل عبد الله المصباحي، هو عبارة عن أوبريت أو ملحمة غنائية يتمحور موضوعها حول المقاومة المغربية من أجل الحرية، شارك فيها ممثلون كالراحلين محمد الخلفي ونعيمة لمشرقي ومطربون كعبد العاطي أمنا والراحلان لطيفة أمال وعبد الهادي بلخياط وغيرهم. ومن السينمائيين المغاربة الرواد الذين شاركوا في إنجاز هذا الفيلم، إلى جانب خياط والمصباحي، نذكر لطيف لحلو وعبد الله الزروالي وأحمد البوعناني، وكلهم من خريجي المعهد السينمائي الباريسي المذكور باستثناء المصباحي.
من الأفلام السينمائية المغربية أو الأجنبية (المصورة جزئيا أو كليا بالمغرب) التي شارك في طواقمها التقنية، كمساعد مخرج أو مدير إنتاج أو منفذ إنتاج، نذكر على سبيل المثال العناوين التالية:
1973: “الشيء المستحيل” للمخرج الأمريكي جون فرانكهيمر.
1974: “أحداث بلا دلالة” لمصطفى الدرقاوي.
1977: “أحد أسود” للمخرج الأمريكي جون فرانكهيمر.
1982: “الورطة” لمصطفى خياط (شقيقه).
1982: “أيام شهرزاد الجميلة” لمصطفى الدرقاوي.
1982: “ما وراء الباب” للمخرجة الإيطالية ليليانا كافاني.. شارك من المغاربة في هذا الفيلم بأدوار متفاوتة القيمة الممثلون الراحلون المحجوب الراجي وعبد القادر مطاع وفاطمة الركراكي وحمادي التونسي.
1988: “ما مدى جودة اللون الأبيض؟” للمخرج الإيطالي ماركو فيريري.
1991: “الصمت” لمصطفى الدرقاوي (فيلم قصير).
1998: “زنقة القاهرة” لعبد الكريم محمد الدرقاوي (ساهم عبد الرحمان خياط في كتابة سيناريو هذا الفيلم انطلاقا من فكرة للفنان الراحل العربي باطما).
لقد كرس عبد الرحمان خياط جزءا كبيرا من حياته الفنية للتلفزيون المغربي، حيث أخرج لفائدة هذا الأخير، منذ انطلاقته في مطلع ستينيات القرن الماضي، مجموعة من الأفلام القصيرة والمسلسلات (“التضحية”، “المنحرف”، “الإعتراف”، بعض حلقات سلسلة “من دار لدار”) والتمثيليات (“الخياط” نموذجا) والبرامج الثقافية والتربوية (“ياز” لتعلم الأمازيغية…) وبرامج المنوعات، لعل أشهرها السلسلة التربوية اليومية “ألف لام” (2001-2004) لفائدة القناة الأولى (960 حلقة مدة كل منها 24 دقيقة).
كما كان رائدا من رواد المسرح المصور، حيث أخرج للتلفزيون بلمسة سينمائية ملحوظة مجموعة من مسرحيات فرقة المعمورة (هاملت، أهل الكهف…) ومسرحيات الطيب الصديقي (مقامات بديع الزمان الهمداني، ديوان سيدي عبد الرحمان المجدوب، الحراز، الأعمال المقتبسة عن موليير) وأحمد الطيب لعلج (المعلم عزوز) وإدريس التادلي (درهم الحلال) وعبد السلام الشرايبي (بنت الخراز) وغيرهم رحمهم الله جميعا. وبهذا العمل الجبار ساهم في التوثيق بالصورة والصوت لجانب من تراثنا المسرحي، كما ساهم في تكوين أجيال من التقنيين والممثلين الذين اشتغلوا إلى جانبه في العديد من الأعمال الفنية، وكان من أقرب المساعدين التقنيين والفنيين لرائد المسرح بالمغرب الأستاذ الطيب الصديقي.
لعب أيضا دورا كبيرا، كزوج ومستشار فني، في صقل موهبة زوجته الممثلة القديرة نعيمة لمشرقي (1943- 2024) والإرتقاء بها إلى مستوى عال من التميز والتألق، على امتداد عقود من الزواج في الفن والحياة، منذ منتصف ستينيات القرن العشرين. وساهم إلى جانب ثلة من المسرحيين الكبار في تأسيس النقابة الوطنية لمحترفي المسرح في موسم 1992/1993.
لقد اشتغل عبد الرحمان خياط في الظل وبصمت، طيلة عقود، بعيدا عن الأضواء الحارقة أحيانا، وتمكن من إشراك الملايين من المشاهدين في التمتع بأشهر المسرحيات المغربية عبر نقلها بفنية سينمائية ملحوظة من الخشبات إلى شاشات التلفزيون.
رحمه الله.
أحمد سيجلماسي
